الجاحظ

393

الحيوان

دوابّ كثيرة تمشي على ثمان قوائم ، وعلى ستّ ، وعلى أكثر من ثمان . ومن تفقّد قوائم السّرطان وبنات وردان ، وأصناف العناكب - عرف ذلك . قلنا : قد أخطأتم في جميع هذا التّأويل وحدّه . فما الدّليل على أنّه وضع كلامه في استقصاء أصناف القوائم ؟ وبأيّ حجة جزمتم على ذلك ؟ وقد قال اللّه عزّ وجلّ : وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ * [ 1 ] وترك ذكر الشّياطين والنّار لهم آكل ، وعذابهم بها أشدّ . فترك ذكرهم من غير نسيان ، وعلى أنّ ذلك معلوم عند المخاطب . وقد قال اللّه عزّ وجلّ : خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً [ 2 ] أخرج من هذا العموم عيسى ابن مريم ، وقد قصد في مخرج هذا الكلام إلى جميع ولد آدم . وقال : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [ 3 ] أدخل فيها آدم وحوّاء . ثمّ قال على صلة الكلام : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ [ 4 ] أخرج منها آدم وحوّاء وعيسى ابن مريم . وحسن ذلك إذ كان الكلام لم يوضع على جميع ما تعرفه النّفوس من جهة استقصاء اللّفظ . فقوله : فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [ 5 ] كان على هذا المثال الذي ذكرنا . وعلى أنّ كلّ شيء يمشي على أربع فهو مما يمشي على رجلين ، والذي يمشي على ثمان هو مما يمشي على أربع ، وعلى رجلين وإذا قلت : لي على فلان عشرة آلاف درهم ، فقد خبّرت أنّ لك عليه ما بين درهم إلى عشرة آلاف . وأمّا قولكم : إنّ المشي لا يكون إلّا بالأرجل ، فينبغي أيضا أن تقولوا فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى [ 6 ] : إنّ ذلك خطأ ؛ لأنّ السّعي لا يكون إلّا بالأرجل . وفي هذا الذي جهلتموه ضروب من الجواب : - أمّا وجه منه : فهو قول القائل وقول الشّاعر : « ما هو إلّا كأنه حيّة » و : « كأنّ مشيته مشية حيّة » يصفون ذلك ، ويذكرون عنده مشية الأيم والحباب ، وذكور

--> [ 1 ] 24 / البقرة : 2 . [ 2 ] 11 / فاطر : 35 . [ 3 ] 1 / الإنسان : 76 . [ 4 ] 2 / الإنسان : 76 . [ 5 ] 45 / النور : 24 . [ 6 ] 20 / طه : 20 .